أحمد بن محمد ابن عربشاه

387

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

الآجام ولا عرف تصرفات الأيام ، وكان أبوه قتل في الاصطياد ، وتفرقت عنه العساكر والأجناد فنشا وحيدا يتيما ، واستمر فيها مقيما ، فلما سمع صوت الحمار ، أخذته الرعدة والاقشعرار واستولى عليه الهلع فقعد عن الاصطياد وانقطع ، وصار كلما نهق هرب واختفى من الفرق ، وغلب عليه الدّهش إلى أن كاد يموت من الجوع والعطش . وصار الحمار يتردد إلى عين كان الأسد يسكن منها سورة الظمأ ، فما اجترأ بعد ذلك على الورود ، وأضرّ به الخوف والانقطاع والقعود ، فلما كاد العطش أن يقتله توجه إلى العين محفوفا « 1 » بالحيرة والوله ، فوجد الحمار واقفا عندها ، وأدرك الحمار خوفه منه بالدهاء ، فتقدم إليه وصوب نحوه أذنيه وحملق عينيه ، فبدر من الأسد صرخة اتبعها من بوله شخة ، وقال للحمار : أيش أنت ولأي شيء هاهنا سكنت ، وجعل يرجف وفي قيد الخوف يرسف « 2 » ، فعلم الحمار أن الأسد خار ، فقال بجنان حرىّ وبيان قوى : أنا في هذا المكان أفرق رزق الحيوان ، وقد أقمت أحوش أرزاق الوحوش ، ثم أقسمها بينهم وأملأ جوفهم وعينهم ، فقال الأسد : إني جيعان ولي مدة عطشان فاعطني من الأكل رزقي ، وافرز لي من الماء حقي ، فقال بوجه مقطب : ادن إلى الماء واشرب ، فدنا وشرب وهو خائف مضطرب . ثم قال : أنا جائع فاطعمني وعجّل ولا تحرمني ، فلى مدة من الجوع لا قرار لي ولا هجوع ، فقال الحمار : تعال معي إلى موضعي لتعرف مكاني ، وتقرر جرايتك « 3 » في ديواني ، فذهبا في طريق حتى وصلا إلى نهر ماء عميق فأراد العبور ، فقال الأسد الهصور : هذا الماء عميق وكم فيه من

--> ( 1 ) تحيطه الحيرة والوله . ( 2 ) يمشى . ( 3 ) الجراية : الراتب .